النووي

623

تهذيب الأسماء واللغات

وشراب الأبرار ، وجاء في الحديث : « ماء زمزم طعام طعم وشفاء سقم » « 1 » ، وجاء : « ماء زمزم لما شرب له » « 2 » معناه : من شربه لحاجة نالها ، وقد جرّبه العلماء والصالحون لحاجات أخروية ودنيوية ، فنالوها بحمد اللّه تعالى وفضله . وفي « الصحيح » عن أبي ذر الغفاري رضي اللّه تعالى عنه : أنه أقام شهرا بمكة لا قوت له إلا ماء زمزم « 3 » . وفضائلها أكثر من أن تحصر ، واللّه تعالى أعلم . وروى الأزرقي عن العباس بن عبد المطلب رضي اللّه تعالى عنه ، قال : تنافس الناس في زمزم في زمن الجاهلية ، حتى إن كان أهل العيال يفدون بعيالهم فيشربون ، فيكون صبوحا لهم ، وقد كنا نعدّها عونا على العيال . قال العباس : وكانت زمزم في الجاهلية تسمى شباعة ، وفي « غريب الحديث » ( 2 / 113 ) لابن قتيبة عن علي بن أبي طالب رضي اللّه تعالى عنه قال : خير بئر في الأرض زمزم ، وشرّ بئر في الأرض برهوت ، قال ابن قتيبة : برهوت بئر بحضرموت ، يقال : إن أرواح الكفار فيها . وذكر له دلائل ! قال الأزرقي : كان ذرع زمزم من أعلاها إلى أسفلها ستين ذراعا ، كل ذلك بنيان ، وما بقي فهو جبل منقور ، وهي تسعة وعشرون ذراعا ، وذرع تدوير فم زمزم أحد عشر ذراعا ، وسعة فم زمزم ثلاث أذرع وثلثا ذراع ، وعلى البئر مكبس ساج مربع فيه اثنتا [ عشرة ] بكرة يستقى عليها ، وأول من عمل الرّخام على زمزم وعلى الشباك وفرش أرضها بالرّخام أبو جعفر أمير المؤمنين في خلافته ، قال الأزرقي : ولم تزل السّقاية بيد عبد مناف ، فكان يسقي الماء من بئر كر آدم ، وبئر خم على الإبل في المزاد والقرب ، ثم يسكب ذلك الماء في حياض من أدم بفناء الكعبة ، فيرده الحاج حتى يتفرقوا ، وكان يستعذب لذلك الماء ، ثم وليها من بعده ابنه هاشم بن عبد مناف ، ولم يزل يسقي الحاجّ حتى توفي ، فقام بأمر السّقاية من بعده ابنه عبد المطلب بن هاشم ، فلم يزل كذلك حتى حفر زمزم فعفت على آبار مكة كلّها ، فكان منها يشرب الحاج . وكانت لعبد المطلب إبل كثيرة ، فإذا كان الموسم جمعها ، ثم يسقي لبنها بالعسل في حوض من أدم عند زمزم ، ويشتري الزبيب فينبذه بماء زمزم ، وكانت إذ ذاك غليظة جدا ، وكان للناس أسقية كثيرة يستقون منها الماء ، ثم ينبذون فيها القبضات من الزبيب والتمر ليكسر غلظ الماء ، وكان الماء العذب بمكة عزيزا لا يوجد إلا لإنسان يستعذب له من بئر ميمون ، وخارج من مكة ، فلبث عبد المطلب يسقي الناس حتى توفي . فقام بأمر السّقاية بعده ابنه العباس بن عبد المطلب ، فلم تزل في يده ، وكان للعباس كرم بالطائف ، فكان يحمل زبيبه ، وكان يداين أهل الطائف ويقتضي منهم الزبيب ، فينبذ ذلك كله ويسقيه الحاج في أيام الموسم ، حتى مضت الجاهلية وصدر من الإسلام ، ثم أقرها النبي صلّى اللّه عليه وسلم في يد العباس يوم الفتح ، ثم لم تزل في يد العباس حتى توفي . فتولّاها بعده ابنه عبد اللّه بن عباس رضي اللّه تعالى عنهما ، فكان يفعل ذلك كفعله ، ولا ينازعه

--> ( 1 ) أخرجه البيهقي 5 / 147 من حديث أبي ذر ، وأصله في « صحيح مسلم » ( 2473 ) دون قوله : « وشفاء سقم » . ( 2 ) أخرجه أحمد 3 / 357 ، وابن ماجة ( 3062 ) من حديث جابر ، وهو محتمل للتحسين . ( 3 ) أخرجه مسلم ( 2473 ) من حديث أبي ذر نفسه .